التفتازاني

299

شرح المقاصد

قلنا : لأن شرط التكليف الفهم ، ولا فهم للجماد حين هو جماد ، ثم الجمهور على أن النزاع إنما هو في الجواز وأما الوقوع فمنفي بحكم الاستقراء ، وبشهادة مثل قوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 1 » وبما ذكرنا يظهر أن كثيرا من التمسكات المذكورة في كلام الفريقين لم ترد على المتنازع أما للمانعين فمثل قوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 2 » فإنه إنما ينفي الوقوع لا الجواز . فإن قيل : ما علم اللّه أو أخبر بعدم وقوعه يلزم من فرض وقوعه محال ، هو جهله أو كذبه تعالى عن ذلك ، وكل ما يلزم من فرض وقوعه محال ، فهو محال ضرورة امتناع وجود الملزوم بدون اللازم فجوابه منع الكبرى ، وإنما يصدق لو كان لزوم المحال لذاته . أما لو كان لعارض كالعلم أو الخبر فيما نحن فيه فلا ، لجواز « 3 » أن يكون هو « 4 » ممكنا في نفسه ، ومنشأ لزوم المحال هو ذلك العارض ، ولعل لهذه النكتة في بعض كتبنا تقريرا آخر وأما للمجوزين فوجوه : منها مثل قوله تعالى أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ « 5 » وقوله تعالى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ « 6 » وذلك لأنه تكليف تعجيز ، لا تكليف تحقيق . ومنها أن فعل العبد بخلق اللّه تعالى وقدرته ، فلا يكون بقدرة العبد وهي معنى ما لا يطاق وذلك لأن معنى ما لا يطاق أن لا يكون متعلقا بقدرة العبد ، وما وقع التكليف به متعلق بقدرته ، وإن كان واقعا بقدرة اللّه تعالى ، ومنها أن التكليف قبل الفعل « 7 » والقدرة معه فلا يكون التكليف إلا بغير المقدور ، وذلك لأن القدرة المعتبرة في التكليف هي سلامة الأسباب والآلات لا الاستطاعة التي لا تكون إلا مع الفعل ولو صح هذان الوجهان لكان جميع التكاليف تكليف ما لا يطاق ، وليس كذلك . ومنها أن من علم اللّه تعالى منه أنه لا يؤمن ، بل يموت على الكفر مكلف بالإيمان وفاقا ، مع استحالته منه لأنه لو آمن لزم انقلاب علم اللّه تعالى جهلا .

--> ( 1 ) سورة البقرة آية رقم 288 . ( 2 ) سقط من ( ب ) من أول : وبما ذكرنا إلى قوله : ( إلا وسعها ) . ( 3 ) في ( ب ) يجوز بدلا من ( لجواز ) . ( 4 ) سقط من ( ب ) الضمير ( هو ) . ( 5 ) سورة البقرة آية رقم 31 . ( 6 ) سورة البقرة آية رقم 23 . ( 7 ) في ( ب ) فعل العبد بدلا من ( قبل الفعل ) .